فخر الدين الرازي
45
المطالب العالية من العلم الإلهي
أن يقال : الإنسان حال اجتماع تلك الأسباب الموجبة للأفعال الغضبية ، وبراءتها عن الدواعي المعارضة لها ، فإنه يمكن أن لا يأتي بتلك الأفعال ؟ . فالحاصل : أنكم إن أردتم أن سلامة أعضائه « 1 » حال انضمام دواعي الترك إليها ، بدلا عن دواعي الفعل . لأمكنه ذلك . فهذا مسلم . ولا يقدح في قولنا . وإن أردتم بأن سلامة أعضائه حال انضمام دواعي الفعل إليها ، وكانت تلك الدواعي خالية عن المعارض ، فإن مع التقدير يمكنه الترك . فهذا ممنوع . والعلم بامتناعه ضروري . ولما عرفت الكلام في هذا المثال ، أمكنك اعتبار أحوال جميع الأحوال والأفعال . ولا فائدة في التطويل . ولنختم هذا البرهان القاطع ، بفصل منقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - يقوي ما ذكرناه . روي أنه رضي اللّه عنه خطب « 2 » فقال : وأعجب ما في الإنسان قلبه « فإن سنح له الرجاء ، أذله الطمع . وإن هاج به الطمع ، أهلكه الحرص . وإن ملكه اليأس ، قتله الأسف . . . وإن عرض له الغضب ، اشتد به الغيظ . وإن أسعده الرضى [ نسي « 3 » ] التحفظ . وإن ناله الخوف ، شغله الحذر . . . وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع . . . وإن وجد مالا ، أطغاه الغنى . وإن عضته الفاقة ، شغله البلاء . وإن جهده الجوع ، قعد به الضعف . . . فكل
--> ( 1 ) الأصل : أعضائه محال لو انضمت إليها دواعي الترك بدلا . . . الخ . ( 2 ) نص الخطبة من كتاب « نهج البلاغة » طبعة دار التعارف ببيروت سنة 1402 ه صفحة 681 : لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة ، هي أعجب ما فيه . وذلك القلب . وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها . فإن سنح له الرجاء أذله الطمع وإن هاج به الطمع ، أهلكه الحرص . وإن ملكه اليأس ، قتله الأسف . وإن أعرض له الغضب ، أشتد به الغيظ . وإن أسعده الرضى ، نسي التحفظ . وإن ناله الخوف ، شغله الحذر . وإن اتسع له الأمن ، استلبته الغرة . وإن أفاد مالا ، أطغاه الغنى . وإن أصابته مصيبة ، فضحه رجوع . وإن عضته الفاقة شغله البلاء . وإن جهده الجوع ، فعد به الضعف . وإن أفرط به الشبع ، كظته البطنة . فكل تقصير به : مضر ، وكل إفراط له : « مفسد » اه . ( 3 ) سقط ( م ) .